د.سامي بن عبدالله الدبيخي
لا تُبنى المدن بالمواد فقط كالإسمنت والحديد، وإنما بالتشريعات العمرانية التي توجه التنمية وتضبطها. فالتشريع العمراني ملزم للتطوير وهو الدستور الصامت للمدينة. نادرًا ما نراه، لكننا نعيش في ظله كل يوم.
لهذا التشريع مهمتان: توجيه بوصلة التنمية بالمدن إلى حيث نريد لبناء وتطوير وتحسين البيئة العمرانية، ثم ضبطها عمرانيًا حتى لا تفلت من أيدينا وتخرج لنا مدنًا نمجُّها.
تتدرج منظومة التشريع في سبعة مستويات: مرجعيات وطنية كالرؤية الوطنية والاستراتيجيات القطاعية والسياسات، فإطار إقليمي، فاستراتيجية المدينة، فإطار تنظيمي مكاني (أنظمة تخطيطية وأكواد عمرانية)، فنطاقات خاصة، فالقطعة والمباني (نظام البناء)، فالتنفيذ الرقمي.
الثلاثة الأولى «توجيهية» تُقاس آثارها ولا تُفحص عند الترخيص. أما الأربعة الأخرى فهي «اشتراطات مكانية» تُفحص قبل إصدار أي رخصة. ويتمثل التحدي للمدن عند فقدان التجانس وحدوث الفراغات بين «مستويات منظومة التشريع» كعدم ترجمة الاشتراطات والرخص لاستراتيجية المدينة والتوجهات التنموية والبعد المكاني بإطاره التنظيمي وهو الشائع.
في كل مدينة هناك من يشكك في دور وأهمية التشريع العمراني بدعوى أن هذه الأنظمة التخطيطية لم تقدم شيئاً غير تقييد السوق وتعطيل المشاريع وتأخير التراخيص. ويتغافل هؤلاء المشككون عما تحققه التشريعات من منافع اجتماعية وبيئية واقتصادية وعمرانية لا تتحقق في غيابها، كحماية الموارد وتعزيز السلامة وتيسير الإسكان وتسهيل الحركة وحفظ شخصية المدينة وتحسين مشهدها العمراني والمعماري وكفاءة بنيتها التحتية.
صحيح أن النظام الجامد قد يضيّق على الناس بدل أن ينظّم حياتهم. ففي مدينة أوستن، على سبيل المثال، اشترطت الضوابط العمرانية قطعًا سكنية كبيرة وارتفاعات محدودة لحماية طابع الحي. فكانت النتيجة مساكن واسعة باهظة الثمن لا تقدر عليها الأسر العادية. ثم جاءت حركة الإصلاح المعروفة بـ”YIMBY»، فسُمح بثلاث وحدات على قطعة كانت مخصصة لفيلا واحدة، فتراجعت أسعار الإيجارات 16 % بين 2021 و2026 والمساكن 4 %. وفي نيوزيلندا التي أعاد مجلس أوكلاند تخطيط ثلاثة أرباع مساحتها السكنية عام 2016، نمت إيجاراتها بوتيرة أقل من نمو الرواتب.
وفي المملكة، أصدرت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تنظيمًا لمصليات مباني الضيافة بالمنطقة المركزية، ليخفف الازدحام عن المسجد الحرام وساحاته ويزيد الطاقة الاستيعابية للمصلين. فحُدِّد متر مربع واحد للفرد في مصليات مباني الضيافة، وارتفاع لا يقل عن ثلاثة أمتار في المباني الجديدة، وروعي ذوو الإعاقة، وقُدِّم للمطورين حافز بزيادة مسطح البناء 15 %. فجُمِع بين الضبط والتحفيز، وبين قدسية المكان وراحة الزائر.
وهناك رسوم الأراضي البيضاء في الرياض، التي جاءت كأداة اقتصادية لدفع المالك إلى التطوير أو البيع، فولدت زخمًا في العرض والطلب، وظهرت منتجات عقارية جديدة. بينما في مدن اخرى بقيت قطع تتجاوز نصف مليون متر مربع على بعد حوالي خمسة كيلومترات من المركز دون تطوير. فحين تتعدد الجهات المشاركة في صناعة التنمية المكانية تزيد الحاجة للتشريعات والأنظمة العمرانية، فحين لا يوجد دليل تنظيمي لتفادي حدوث الفراغات بين مستويات منظومة التشريع بشكل متجانس مع إطار المدينة العمراني أو يوجّه السيولة، يتحول الهروب من الرسوم إلى تطوير شكلي مشوّه، كما وضحت بمقالي السابق في اغسطس 2026 بعنوان «التنمية الحضرية: ما بين المحرك المالي والموجه المكاني» .
فإذا كان التشريع العقاري هو المحرك المالي، فإن النظام التخطيطي هو الموجّه المكاني الذي يحوّل صدمة السوق إلى قيمة للمدينة. ولهذا هناك نماذج نجحت لأن السلسلة فيها مكتملة. مثال ذلك، العلا والدرعية، حيث تتولى جهة واحدة الإعداد والاعتماد والتطبيق والتفسير والرقابة، فيجد المستثمر منتجًا جاهزًا. وهنا تأتي أهمية “الأنظمة القائمة على الأداء” وأتمتة تقييم المشاريع فتخفض “علاوة المخاطر التنظيمية” وتجذب الاستثمار المؤسسي.
ختامًا، حين تكون الأنظمة العمرانية أدوات تمكين وليست قيودًا، يتحول التخطيط من جهة معطِّلة ومقيدة للسوق إلى بيئة جاذبة للاستثمار شريطة أن تكون النصوص مرنة وأهدافها واضحة ومعاييرها قابلة للقياس، وأن تعمل التشريعات كمنظومة مترابطة ومتجانسة تبدأ بمستهدف وطني بأداة تشريعية ملزمة كأمر ملكي وتنتهي بتفصيل التطبيق كرخصة على قطعة أرض، لتمنح المستثمر وضوحًا والمدينة اقتصادًا نابضًا والسكان عمراناً يليق بتطلعاتهم وبإنسانيتهم.