أبوبكر الموسى
في أحد أركان ملتقى وجائزة «عزوة» استوقفني هذا النص من كلمة صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف، أمين منطقة الرياض، في مقدمة كتاب «الرياض في عيون الرحالة»:
«مشاريع الرياض جميعًا تتكامل فيما بينها لإعادة تعريف النسيج الحضري للعاصمة، وبناء نموذج حضري جديد لمدينة عالمية. فرياض المستقبل تُصنع اليوم، ونعمل جميعًا -بقيادة سمو ولي العهد- على بناء مدينة تحقق طموحات سكانها، وتُنافس كبرى مدن العالم في جودة الحياة ومستوى المعيشة، وفي ظل هذا التحول، بدأت الرياض في تبنّي نموذج جديد لا يكتفي بمواكبة النمو، بل يهدف إلى قيادته، عبر تخطيط استباقي يركز على النوع لا الكم، وعلى جودة الحياة لا التوسع العشوائي. وقد أثبتت التجربة أن المدينة لا تُبنى بالمشاريع الكبرى فقط، بل بالناس وروحهم، وشبكاتهم الاجتماعية، ومبادراتهم الذاتية. وها هي الرياض اليوم تمثل نموذجًا حضريًا نادرًا، يجمع بين الرؤية الرسمية، والطاقة المجتمعية، والتاريخ العميق.»
وكما لفتت الرياض عيون الرحالة، لفت انتباهي هذا النص الذي كُتب من الرياض وإليها، ونجد فيه إعادة لترتيب أسئلة التطور والتقدم وفق إطار يضم رؤية رسمية، وتاريخًا متجذرًا، وطاقة مجتمعية. فلم يعد السؤال كم تضيف المدينة من مبانٍ وطرق ومساحات فقط، وصار كم تمنح ساكنها من معنى. وحين تتحدث هذه المقدمة عن «النوع قبل الكم» وعن «جودة الحياة قبل التوسع»، فهي تضع الإنسان في مركز المعادلة، وتجعل السكان والزوار مقياسًا للأثر.
ولم تتأخر الإجابة عن هذه الأسئلة كثيرًا، فقد تجاوزت هذا الركن إلى داخل أروقة ملتقى وجائزة «عزوة»، التي جسّدت هذه المعاني بشكل ملموس في لقاءات بين من يخطط ومن يسكن ومن يبادر، ومن يوثّق ذاكرة الرياض ويقرّب الثقافة من الناس، وفي تكريم لأصحاب الأثر، وعلى المسرح هناك شراكات تُوقَّع بين الأمانة وشركاء من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وحتى الأفراد في مجالات البنية التحتية وأنسنة المدينة والثقافة والهوية.
وإذا كان في هذه المعاني ما يضمن الأثر اليوم، فإن ما يضمن بقاءه غدًا هو أن تتحول المشاركة المجتمعية من مبادرات تنتهي بانتهاء أصحابها إلى منظومة تتسع لها وتحتضنها وتنقلها من حي إلى حي، ومن مدينة إلى مدينة. وقد حمل الملتقى ملامح هذا التوجه في الإعلان عن «ريمات المجتمعية» كجهةً مؤسسية مجتمعية آمنت بفكرة هذا التوجه، ودخلت شريكًا يسعى إلى نقل منظومة المشاركة المجتمعية إلى آفاق أرحب وأكثر استدامة.
وفي مستقبل تنافس فيه الرياض كبرى المدن في جودة الحياة ومستوى المعيشة، سيميزها من يبني معها، فالعواصم تتشابه في أبراجها وطرقها، وتتفرد بأهلها. وقد خرجت وفي يدي نسخة من هذا الكتاب، الذي سيقرؤه من يأتون بعدي ليعرفوا كيف رأى الرحالة الرياض. أما أنا فخرجت وفي ذهني ما سأقوله للجيل القادم عنها: أن الحي في الرياض ما زال حيًّا.