بدر عبدالكريم بن سعيد آل سيف
النفاق الاجتماعي ظاهرة سلبية يظهر فيه الإنسان غير ما يبطنه من أقوال أو أفعال وذلك لتحقيق مصالح شخصية أو إرضاء للآخرين، وهو من أخطر الآفات التي تهدد تماسك المجتمع وما يسببه في اختلال العلاقات بين الأفراد والأسر ويجعل التعاملات القائمة على الصدق والأمانة والإخلاص والبساطة تختفي لصالح التملق والمجاملة الزائفة، إنه سلوك قائم على الخداع والمخاتلة، فالمنافق: هو الإنسان الفعلي الذي يطبق هذا الخداع ويعيش به، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، فقناع المثالية أو ما يعرف في علم النفس بـ»المثالية الزائفة» هو حيلة دفاعية وسلوك تظاهري يلجأ إليه بعض الأشخاص لإظهار سلوكيات من اللطف والنزاهة ونيات تبدو نبيلة وأخلاقية وهو ما يسمى بـ»التمثيل الاجتماعي» لإخفاء النيات الخبيثة أو الكاذبة «التلاعب النفسي»، وهذه الصفات تعد من أخطر علامات النفاق، وتسمى في علم النفس والاجتماع بـ»المخادعة الاجتماعية» أو «التلون» ومن أبرز مظاهر النفاق الاجتماعي والأساليب التي يتبعها المنافقون أيضا اعتمادهم على:
- سلاح «التشويه الصامت» واستغلال النفوذ والعلاقات لتحقيق الهدف دون مواجهة مباشرة.
- التحريض الخفي والعمل على تأليب المجتمع أو بيئة العمل ضد الضحية والسعي لإقصائه.
- «النميمة المغلفة بالنصيحة» وهي حيلة نفسية خبيثة وبهتان تتسلل إلى النفوس وتفسد الضمائر يمارسها المنافق ليمرر سمومه تحت مسمى «الخوف عليك» أو «أردت أن تحذر منه»، بينما الهدف الحقيقي هو إفساد العلاقات والوقيعة والكراهية بين الناس؟! وهذا السلوك ليس مجرد نميمة عادية بل هو مزيج من النفاق، والتلاعب النفسي والبهتان ومن خلاله يحمي المنافق نفسه ولا يجعل لأي أحد مجالا أن ينتقده أو يلقبه «بالنمام»!
- إظهار الود والبشاشة والابتسامة المصطنعة أمام الشخص والمدح المبالغ فيه بالإعجاب والثناء الكاذب
- تقديم أصحاب اللسان المعسول على أصحاب العمل الحقيقي.
- تلون الشخص وتغيير كلامه ومواقفه بحسب الجلسة أو المجموعة التي يجلس معها ليرضي الجميع على حساب الحقيقة.
- إظهار الكرم أو فعل الخير أمام الناس والكاميرات بغرض المدح والسمعة فقط، وليس ابتغاء القيمة الحقيقية للعمل.
إن التراث العربي يضم كنزا غنيا من القصص والحكم والقصائد والحكايات التي ترسخ مكارم الأخلاق، وتحذر بشدة من العواقب الوخيمة «للنفاق» وما يتبعه من كذب وافتراء وظلم وتشويه للسمعة، ومنها هذه القصة: «رجل سيء يقول في رجل آخر ما ليس فيه» وهذه القصة تجسد كيف ترتد أعمال الشر على أصحابها:
(فقد عاش رجل صالح يتقي الله في قريته، فحسده رجل سيء الخلق أراد إطفاء نوره وسيرته الطيبة بدأ الحاسد يطلق الشائعات الباطلة ويكذب على لسان الصالح ليشوه سمعته بين الناس، ندم الرجل السيئ لاحقا وأراد التوبة، فذهب لحكيم القرية يسأله كيف يصلح ما أفسده؟ أمره الحكيم أن يفتح وسادة من الريش وينثر ريشها في شوارع القرية ويعود إليه فعل الرجل ذلك، ثم طلب منه الحكيم جمع الريش كله من جديد، فقال مستحيلا: لقد طار في كل مكان، أخبره الحكيم: هكذا الكلمة السيئة وتشويه السمعة، ينتشران كالنار في الهشيم وبسرعة البرق وهذا يعود لطبيعة النفس البشرية والفضول ولا يمكنك أبدا سحبها أو محو أثرها، وهذه من الصفات الذميمة وعواقبها الوخيمة قد توعد الله فاعلها بالعقوبة المغلظة كما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية). عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمى مؤمنا من منافق يعيبه بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن قفا مسلما بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال).
ويعني الحديث: يحبس المرء ويوقف على جسر جهنم وهو الصراط الممدود فوق جهنم، ذلك اليوم الذي يقتص للناس بعضهم من بعض، (فسبحانك ربي ما أعدلك وأعظمك) وبالفعل النفاق الاجتماعي آفة خطيرة تهدد نسيج المجتمع وتدمر القيم والأخلاق.
- وهناك عديد من الحلول والطرق الفعالة لمواجه النفاق الاجتماعي والتعامل معه بوعي وحكمة بتضافر الجهود على المستوى الفردي والاجتماعي، حيث يبدأ التغيير من سلوك الشخص نفسه وينتهي بثقافة المجتمع ككل وأيضا من خلال الطرق التالية:
- التوعية لجميع أفراد المجتمع وتبيين خطورة النفاق وآثاره السلبية.
- تعزيز القيم الأخلاقية وذلك بغرس القيم الأخلاقية السامية مثل الصدق والأمانة والإخلاص في نفوس الأفراد منذ الصغر.
- المحاسبة لكل من يمارس النفاق، سواء كان فردا أو مؤسسة، ليكون عبرة لغيره.
- التغيير الذاتي يجب على كل فرد أن يبدأ بنفسه في التخلي عن النفاق والتحلي بالصدق والأمانة.
- ترسيخ ثقافة الصدق في الأقوال والأفعال وعدم الانسياق خلف ضغوط المظاهر الخادعة.
- جعل رضا الله والتمسك بالقيم والأخلاق هو الغاية الأساسية في التعاملات دون الالتفات لإرضاء الناس على حساب الحق.
ومضة
إن البساطة تمنح للإنسان شخصيته الحقيقية، وتساعده على أن يعيش كما هو، لا كما يريده الآخرون.