Culture Magazine Monday  16/07/2007 G Issue 207
أوراق
الأثنين 2 ,رجب 1428   العدد  207
 
حصارٌ..ومذَنّب..وقصيدة
أحمد بن عبدالله السناني

 

 

قبل خمس سنوات قامت إسرائيل بحصار ظالم على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات رحمه الله في مدينة رام الله الصامدة وجرت في مدينة جنين ابادة جماعية للأطفال والنساء والشيوخ وأشجار النخيل والزيتون والحيوانات وهدمت المنازل وبيوت الله وجرفت الأراضي الزراعية في عدد من المدن... وفي ذلك الوقت اقترب من كوكبنا مذنب (آيكيا - زانق) نسبة إلى هاويين فلكيين ياباني وصيني اكتشفاه في الأول من شهر فبراير 2002م، وتمكن الناس من رؤيته في سماء الجزيرة العربية بعد غروب الشمس بالعين المجردة باتجاه شمال الغرب على يمين كوكب المريخ وكانت آخر مرة اقترب من الأرض واستطاع الناس رؤيته بالعين المجردة عام 1661م أي قبل 343 عاما.

والقصيدتان التاليتان هما للشاعر الراحل عبدالله بن حمد السناني (المتوفى في شهر محرم عام 1409هـ) نظمهما رحمه الله تعالى عام 1407هـ قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى بقليل وذلك بمناسبة ظهور مذنب هالي الذي يقترب من الأرض كل 76 سنة. واستنهض الشاعر في القصيدة الأولى (عرج) أو (أطلال يعرب) أمته التي غربت دولتها للنهوض من الكبوة التي طالت ودعاها لقراءة التاريخ واستنباط العبر منه مصراً على رفض تصديق أو تكذيب خرافة ارتباط ظهور المذنبات بالأحداث الكبيرة وأن طالع أمتنا لا علاقة له بظهورها.

وفي القصيدة الثانية (طاووس السحر) أو (هالي) يرحب الشاعر بالمذنب هالي الذي ظهر في سماء الجزيرة العربية في ذلك الحين ويصف زيارته الفلكية بصور شعرية رائعة مؤكدا أنه ليس متشائما منه ثم يشير إلى قصيدة الشاعر أبي تمام في مدح الخليفة العباسي المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد الذي قاد جيشا كبيرا حاصر عمورية البيزنطية في آسيا الصغرى (تركيا حاليا) حتى فتحها عام 223هـ الموافق 838م وذلك استجابة لنداء امرأة عربية صرخت وا معتصماه بعد اعتداء أحد الروم عليها وكان أبو تمام قد سجل في القصيدة ظهور مذنب في السماء أثناء ذلك الحصار والنصر الكبير الذي سجله التاريخ للدولة الإسلامية.

وفي آخر القصيدة يناجي الشاعر المذنب هالي: بربك هل حالنا تغيرت عما كانت عليه عند زيارتك السابقة لنا أم بقينا كما كنا؟ وهل نحن نسعى للتطور والعلا أم أن الوهن والجبن تآخيا في أمتنا؟

ثم أجاب الشاعر تساؤله بنفسه بقوله: إنه يرى أن أمته المعاصرة ما زالت تقلد الآخرين ولم تستثمر طاقات الإبداع في أبنائها رغم الكوارث والمصائب التي حلت بها.

وختم قصيدته رحمه الله بتضرعه إلى الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أمة الإسلام وأن تكون لها القيادة والسيادة عند عودة المذنب هالي لزيارة كوكب الأرض عام 2062م.

إن التاريخ مستمر بمشيئة الله وإرادته والصراع بين الأمم وقوى الخير والشر قائم منذ أن خلق الله أبانا آدم قال تعالى {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ140 آل عمران، ولم ينته التاريخ عند عتبة الغرب المتغطرس كما يدعي بعض مفكروه مثل هنتنجتون وبرنارد لويس وفوكوياما مؤلف كتاب (نهاية التاريخ والرجل الأخير) The End Of History And The Last Man by Francis Fukuyama بانتصار الرأسمالية الغربية التي بنيت على الحداثة الداروينية وسيادة أصحاب رؤوس الأموال وعلى الربا وظلم الفقراء واستعمار الشعوب واستنزاف الموارد وتلويث البيئة فمتى يصحو المسلمون من سباتهم لمجابهة التحديات والمؤامرات قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} 7سورة محمد.

وإليكم القصيدتين:

***

(عرج) أو (أطلال يعرب)

عرج على أطلال يعرب

وأذرف على عدنان واندب

لا تبكها من قلة

الدار والأهلون أرحب

ابك السجايا والأنوف ال

شم والحسب المهذب

إبك الأصالة بعد أن

طارت بها عنقاء مغرب

وابك الحياة بسيطة

لكنها شرف ومطلب

يشدو بها الراعي الصغير

على ترنم كل مضرب

أواه قد صدئ الحديد

وكان كالشلال مذهب

خمدت براكين الإباء

وعهدها كانت تلهب

وترهل المهر الجواد

وغاب فارسه المجرب

كغياب موسيقى الصهيل

على ارتجاز فتى مدرب

حتى تطاول للحمى

ذئب وسنور وثعلب

وعلى فراش الغافلين

تعانقت أفعى وعقرب

طلع المذنب والخرافة

عند عالمنا تكذب

لكنها فيما بدا

أمست على الحبلين تلعب

لا لن أصدق أو أكذب

كل طالعنا مذنب

يا أمتي كم تقرأين

وما جدا ما كان يكتب

أمسى الكتاب اليعربي

كسفر عجم لم يعرب

ليت القبور رفاتها

كالروض يلوي ثم يخصب

لتعود دولة أمة

غربت وما خلقت لتغرب

أواه لو تجدي الشجون

مقالتي أواه تنحب

ماذا أقول بواقع

الوقت من كفيه يسلب

عجبي إلى متفائل

ومن التشاؤم صرت أعجب

****

(طاووس السحر) أو (هالي)

نرى كل حين في السماء مذنباً

كما نشر الطاووس ذيلاً به افتنا

فلم نر ويلاً من خرافة أرضنا

على أن هالي ظل أطرفها معنى

وما ذاك إلا أنه في مداره

إذا زارنا في القرن غاب وما ثنى

فهل هو رحال وبر بأمه

متى نافت السبعون عاماً لها حنا

وما حرمته دفأها وحنانها

ولكن قاصي الدار لا يشبه الأدنى

وما أهملته الأم حفظاً وسلطةً

وما كان يعصي عند توديعها إذنا

بتسياره النائي خطاه رتيبةً

غريب ولم يختر لتجواله سكنى

تمد إليه الأرض أبصار رصدها

فضولا فتأثير الغموض به عنى

فهل كان هالي يعشق الأرض سالفاً

فهام كقيس ثم جن كما جنا

وتقتاده أشواقه من شروده

يزور لماماً دورة الخائف المضنى

فينسل في الأسحار يرسل نظرةً

وقد فتح الواشي بمرصده عينا

على الرحب يا هالي تنزه فلم نعد

على كوكب نلقى سرورا ولا حزنا

فإن كنت في دين القدامى تشاؤماً

ففي العصر دين الكشف يلتمس المجنى

جلاك أبو تمام في الفتح نكتةً

عمورية أحدثت في رومها الغبنا

سألتك هالي إن أطقت إجابةً

فأنت طويل الخبر لا تعرف الظنا

بربك إذ وافيتنا قبل هذه

هل الحال حالت أم بقينا كما كنا

وهل نحن نسعى للتطور والعلا

أم الوهن قد آخى بأمتنا الجبنا

ولا تتهمني بالغباء فحيرتي

تريد يقيناً قد أردت به الحسنى

أرى أننا رغم الخطوب عزيمةً

تحاكي ولم نتحف بإبداعها الكونا

عسى أن ترانا إن رجعت كأمةً

قضى الله فيها أن تسود ولا تفنى.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة