Culture Magazine Thursday  04/03/2010 G Issue 300
الملف
الخميس 18 ,ربيع الاول 1431   العدد  300
 
حتّى لا يكون الأدب في خطر!
أ.د. العادل خضر *

«الأدب في خطر» (1) هو عنوان كتاب للفيلسوف والنّاقد الفرنسيّ (البلغاريّ الأصل) تزفيطان تودوروف، ألّفه لمّا لاحظ أنّ الثّورة المنهجيّة الّتي أحدثتها البنيويّة في دراسة الأدب والعلوم الإنسانيّة في السّتّينيّات من القرن المنصرم قد فقدت بعدها الاستكشافيّ وخصوبتها المعرفيّة لمّا انفصلت تدريجيّا عن خلفيّاتها النّظريّة ودوافعها العلميّة (والإيديولوجيّة)، فأصبحت في آخر المطاف مجرّد وصفات جاهزة تطبّق في مؤسّسات التّدريس والتّعليم بطريقة آليّة على نصوص الأدب بجميع أشكاله وأنواعه، حتّى إنّ الغاية من تدريس الأدب قد أصبحت تعليم المنهج وتطبيقه قبل تذوّق النّصّ الأدبيّ وفهمه والإحاطة بأسرار صنعته ومزيّته وفضله. فدارس الأدب اليوم يشكو من تخمة تترجمها وفرة المصطلحات وكثرة المفاهيم النّقديّة إن على صعيد النّظريّ أو الإجرائيّ. وقد أوقعتنا هذه التّخمة في مأزق عالجه الفيلسوف الألمانيّ إيمانويل كانط في كتابه العظيم «نقد العقل المحض» لمّا بيّن أنّ معرفة بلا منهج عمى، ومنهج بلا معرفة خواء. فإذا كانت المعرفة بنصوص الأدب شرطا ضروريّا لإجراء المنهج بكلّ دراية وحذق فإنّ ما نعاني منه اليوم هو هذا الخواء الّذي تحدّث عنه كانط. فما يطالعنا في الكتابات النّقديّة اليوم والدّراسات الأدبيّة الرّاهنة هو هذا الإفراط العجيب في العناية بالمنهج، وتفريط غريب في معالجة النّصوص ومباشرتها، بالبحث عن المعنى فيها أو إنتاجه. فمن دون معرفة ثاقبة بالنّصّ يصبح إجراء المنهج لعبا مجانيّا لا هدف منه سوى إجراء المنهج من أجل إثبات سلامته وإمكان تطبيقه على كلّ النّصوص.

لا ينبغي أن يُفهم من كلامنا هذا أنّنا من أعداء المنهج ومناوئيه، وكيف يمكن أن نكون من أعدائه وكلّ ما كتبناه إلى اليوم، ودرّسناه، وبحثنا فيه طيلة سنوات هو من ثمار معاشرة طويلة للمناهج النّقديّة الحديثة منذ أن كنّا طلبة في مقاعد الجامعة التّونسيّة. لسنا من مناوئي المقاربات الحديثة، ولا من رافضي النّظريّات الجديدة، ولكنّنا من منتقدي أولئك الّذين يطبّقون المناهج دون معرفة جيّدة بالنّصوص ولا دراية بثقافة تلك النّصوص، فلا تعرب جهودهم إلاّ عن ذلك الفراغ المعرفيّ والخواء المنهجيّ. وإن كنّا من منتقدي هؤلاء الّذين يفصلون المنهج عن خلفيّاته النّظريّة ويكتفون منه بما هو إجرائيّ فحسب، فإنّنا في الآن نفسه من المنتقدين الأشدّاء لمن فرّط في المنهج وأفرط في تقديس النّصوص وعبادتها كأنّها مستودع معرفة لا ينضب ومستقرّ علم ليس فوقه علم.

علينا أن ننظر إلى النّصوص ونشبّهها بالأميرة النّائمة، إلاّ أنّها نصوص لن توقظها قبلة الأمير كما جرى للأميرة في الحكاية، وإنّما النّظرة الثّاقبة الّتي تجعلها تهبّ من سباتها الطّويل، فتحييها وتنعشها بكشف ما ظلّ حيّا فيها، فتفهمها دون قهر، وتؤوّلها دون عنف، حتّى تبوح لنا بأسرارها. هذه النّظرة الثّاقبة قد تكون نظرة عمياء لا ترى ولا تبصر إذا كانت غير مزوّدة بالعدّة النّظريّة والمنهجيّة الكافية. فمعرفة بالنّصوص دون منهج هي العمى الّذي حذّرنا منه كانط. وهو عمى ينذر بأن تظلّ النّصوص نائمة دهرا طويلا. بل قل هو نوم ينذر بالخطر، وبأنّ «الأدب في خطر». وقد صرنا اليوم أكثر من أيّ وقت سابق نستشعر هذا الخطر بحدّة ونلمحه في عزوف طلبتنا عن قراءة النّصّ الأدبيّ بصفة خاصّة لعجزهم عن فهمه وتذوّقه. ولا يخصّ هذا الوضع طلبة الأدب العربيّ، وإنّما يشمل، في تونس على الأقلّ، طلاّب الآداب الأجنبيّة. بل لعلّه خطر يحيق بالأدب عامّة في أصقاع كثيرة من هذه المعمورة.

في هذه الأجواء الّتي يسودها هذا الإحساس بأنّ «الأدب في خطر»، تهبّ علينا من المملكة العربيّة السّعوديّة، ربوع الأدب العربيّ الأولى، نسمات عليلة تنعش النّفس وتطمئنها قليلا، حاملة على أثيرها أخبار ندوة دوليّة عنوانها (قضايا المنهج في الدراسات اللّغوية والأدبيّة: النّظرية والتّطبيق)، وهي ندوة قد نظّمها باقتدار وإحكام قسم اللّغة العربيّة بجامعة الملك سعود بالرّياض، وستنعقد قريبا على مدى أسبوع (من يوم 21-3-1431هـ الموافق ليوم 7-3-2010م إلى يوم 25-3-1431هـ الموافق ليوم 11-3-2010م). وهي لا محالة ندوة علميّة واعدة. فقراءة متأنّيّة في برنامجها يوحي بأنّ قضايا كثيرة ستطرق في جلساتها العلميّة، نذكر في هذا المقام محاورها الكبرى فقط، وهي: (مفهوم المنهج بين النّظريّة والتّطبيق) و(المناهج الحديثة ودراسة التّراث اللّغويّ) و(مناهج اللّسانيّات وتطبيقاتها) و(المناهج والشّعر القديم) و(المناهج وتحليل الخطاب) و(مناهج البلاغة والبلاغيات الجديدة) و(النّقد النّسويّ) و(في الدّلالة والمنهج السّيميائيّ) و(المناهج والنّصّ السّرديّ).

واللاّفت للانتباه في عناوين هذه المحاور تردّد لفظ «المناهج» و»المنهج» وتواتره الشّديد ممّا يشي بأنّ أعمال الندوة قد التزمت بموضوعها وخطّطت له من جوانب مختلفة تشمل تقريبا أغلب الحقول والاختصاصات المتّصلة باللّغة الأدب.

إنّ هذا التّركيز الشّديد على «المناهج» و»المنهج» في محاور النّدوة وأعمال المشاركين المختلفة، لا ينبغي أن يمنعنا من طرح بعض الأسئلة. وهي تساؤلات يمكن أن تخطر ببال كلّ من يعلم أنّ العناية ب»قضايا المنهج» ليس بالأمر الجديد. فقد طرق هذا الموضوع في أكثر من ندوة وبتسميات مختلفة. ولذلك يحقّ لنا أن نسأل ونتساءل:

* ما الّذي يمكن أن تضيفه ندوة عن (قضايا المنهج في الدراسات اللّغوية والأدبيّة: النّظرية والتّطبيق) من جديد إلى النّدوات السّابقة الّتي انعقدت في أكثر من جامعة عربيّة؟

* هل سيقتصر دور هذه النّدوة كما حصل في معظم النّدوات السّابقة على التّعريف بالمقاربات الجديدة والتّبشير بالمناهج الحديثة أم ستتجاوز ذلك كلّه إلى إثارة القضايا المتعلّقة بالمنهج ومساءلة المناهج الحديثة عن جدواها على صعيد النّظريّة ونجاعتها على صعيد التّطبيق؟

ينبغي أن نلاحظ أنّه رغم هذا التّركيز الشّديد على «المناهج» و»المنهج» في كلّ المحاور فإنّ عنوان هذه النّدوة يبدأ بعبارة «قضايا المنهج» لا بلفظ «المناهج» أو»المنهج». ويتجاوز لفظ قضايا، في تقديري، حدود التّعريف بالمناهج وتقديم المقاربات المختلفة وعرضها، إلى مجال المساءلة الّتي يكون موضوعها المنهج ذاته وما يتّصل به من قضايا. ولعلّ في هذه المساءلة ما يكشف طرافة هذه النّدوة ورهانها الكبير. بل لعلّ في هذه المساءلة ما يدعونا إلى وقفة تأمّل نقديّة نحن في مسيس الحاجة إليها حتّى «لا يكون الأدب (واللّغة أيضا) في خطر».

* أستاذ التّعليم العالي، وباحث بكلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة، تونس (1) تودوروف، تزفيطان: الأدب في خطر. ترجمة عبد الكبير الشّرقاوي، دار توبقال للنّشر، الدّار البيضاء المغرب، الطّبعة الأولى، 2007. سوسة/ تونس، في 21 فيفري 2010 باحث في وحدة تحليل الخطاب أستاذ التّعليم العالي بقسم العربيّة كلّيّة منّوبة للآداب والفنون والإنسانيّات جامعة منّوبة، الجمهوريّة التّونسيّة
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة