اعداد: عبيد الشحادة
كأنَّما وطن خيالي هو، من 10452 كلم2، معلق بين أرض وسماء يزنره البحر المتوسط من
الغرب، وتمر به شرقاً سلسلتا جبال متوازيتان. وهو، رغم مساحته الضئيلة يتميز بتنوع
مدهش وتفرد نادر ، مناخاً وطبيعةً وثقافةً وتاريخاً.
فمن مياه بحره الزرقاء الى ثلوج قممه البيضاء، تتماوج أمام زائره مشاهد هي مرة
مخضوضرة، ومرة عارية، فيلفته التضاد بين جبال صخرية مهيبة، ووديان ساكنة سحيقة،
تنساب في أحضان أنهار، وتنفجر من خاصرتها شلالات، وحولها هنا وهناك غابات صنوبر
تظلل تلالاً تطل على منبسطات سهلة تمتد سهولاً خصبة تتعانق فيها الكروم والبساتين.
وهو يمتاز بغنى جذوره المتكونة منذ آلاف السنين من التاريخ، على جمال وموقع جغرافي
مميز جذبا إليه حضارات مختلفة تركت فيه بصماتها الثقافية، وآثارها الحضارية التي
أضيفت جميعها الى آثار الفينيقيين آباء الأبجدية.
وهذا ما خلق التعدد في معالم أثرية تجاورت بتنوع تاريخي مدهش: هنا نواويس فينيقية
ترقد على أقدام معابد رومانية، وهناك قلاع صليبية تتجاور مع مساجد مملوكية، وجميعها
شاهدة تاريخية على ماض نابض وغني.
رغبة في الترويح والتذوق هذا هو لبنان
بيروت مدينة المفارقات
مرآت تهدمت، وابتلع بعضها البحر، وكل مرة كانت تنهض من موتها، حية بأجمل مما كانت
وتزيد على طابعها ملامح جديدة تضفي عليها سحراً خاصاً يزيده تألقاً هذا المزج فيها
بين الشرق والغرب.
تفردها أن وجوهها منوعة كقوس الغمام، لها وجه صاخب وآخر هادئ، وجه أنيق وآخر مزدحم،
فعلى ناصية كل شارع مشهد مغاير.
لا يمكن لزائر بيروت أن يظل حيادياً أمام مفارقاتها ففي الشارع الواحد باعة جوالون
يدفعون عرباتهم تحت ش مس محرقة، يمرون أمام محال فخمة جداً تعرض في واجهاتها أثمن
البضائع الأجنبية. وفي شارع آخر تتجاوز الأبنية التراثية المرممة مع ناطحات سحاب
عصرية مزنرة بالمرايا، لتنعكس عليها تناقضات الحاضر والماضي. ولا تزال في شوارع
بيروت أحياء فارغة، إلا من أشباح هي آخر شهود الحرب، وعلى نواصي الشوارع نفسها
شوارع أخرى تكتظ بالمطاعم والمقاهي ما يجعل بيروت مدينة لا تنام.
طرابلس أريج الشرق
هي عاصمة الشمال، والمدينة اللبنانية الثانية بعد بيروت، تتميز بازدهارها المستمر،
يعبق منه عطر الشرق طالعاً من أسواقها الحرفية العتيقة، حيث وقع الخطوات على بلاطها
العتيق يمتزج بضجيج خاناتها الدهرية حيث مطارح الصابون والحياكة، وتمتزج فيها رائحة
البن مع رائحة البهارات. إنها الحواس جميعاً تتفتح في طرابلس.
ولعل أكثر ما يلفت في طابع طرابلس الشرقي: مساجدها المهيبة، خاصة ساعة الصلاة، حين
يتنادى المؤذنون ليغمروا المدينة بعبق روحاني خاص. هذه المساجد، في معظمها تعود الى
عصر المماليك الذين تولوا شؤون البلاد في القرن الثالث عشر، فجعلوا الجوامع روائع
هندسية نادرة.
عنجر مدينة الأمويين
بقاياها في قلب سهل البقاع، ومسجد بعلبك، بين الآثار القليلة المتبقية من عهد
الأمويين الذين حكموا المنطقة خلال القرنين السابع والثامن.
وعلى عكس المعالم الأثرية في لبنان، لم تعرف عنجر سوى فترة قليلة من الازدهار (خلال
النصف الأول من القرن الثامن) في عهد الوليد بن عبدالملك، حين كانت مركزاً تجارياً
مهماً ورئيساً، بفضل موقعها الجغرافي. بعد ذلك، وبسبب معارك على الخلافة، تدمرت بعد
أربعين عاماً وغرقت في النسيان طوال العصور التي تلت. ولم تكشف إلا عام 1943.
بعلبك
في شرق لبنان، وبين سلسلتين من الجبال، يمتدُّ سهل البقاع حيث تجثم إحدى أندر
الروائع الاثرية في العالم: قلعة بعلبك. وهي كانت في الأصل مدينة ذات جذور فينيقية،
لكنها لم تعرف مجدها إلا بعد احتلال الاسكندر الكبير الذي رفعها ليجعلها (هيليوبوليس)
(مدينة الشمس).
غير أن المدينة عرفت قمة ازدهارها على العهد الروماني، حين أصبحت مكان عبادة يضم
مجموعة هياكل تتنافس هيبة وضخامة وجمالاً.
صيدا ذاكرة التاريخ
تعود جذورها الى الألف الرابع قبل ميلاد المسيح عليه السلام ، ومن صيدون القيدمة
ورثت صيدا الحالية آثاراً مهمة لا يزال بعضها ماثلاً حتى اليوم، أبرزها قلعة البحر
المتجذرة في الرمال منذ العصور الوسيطة متناغمة الشكل والغرابة، يصلها بالبّر جسر
عتيق. وهي لا تزال تقاوم الموج والريح منذ عهد الصليبيين.
وتتميز صيدا بأسواق تاريخية (من القرون الوسطى) تحتضن تحت قناطرها حرفيين لا يزالون
يزاولون الحرف اليدوية التقليدية.
صور شبه الجزيرة
ترقى الى الألف الثالث قبل ميلاد المسيح. ورد ذكرها في كتب التاريخ كانت في القيدم
قسمين: أول على الشاطئ والآخر جزيرة في البحر. كما اشتهرت في القديم بسفنها
الفينقية التي مخرت الأبيض المتوسط محملة بالزجاج والأرجوان وخشب الأرز. وهي ازدهرت
خاصة في القرن العاشر قبل ميلاد المسيح، أيام الملك احيرام الذي تولى توسيع
المدينة.
مجد صور يتخطى حدودها الى مستعمرات فينقية تأسست على شواطئ المتوسط، مثل قرطاجة
وثيبة وقادش.
هذا الازدهار جذب الى صور الفاتحين، وأبرزهم نبو خذر نصر ملك بابل، الذي حاصرها
ثلاث عشرة سنة. ثم جاءها الاسكندر الكبير عام 332 (ق.م) فحاصرها سبعة أشهر ختمها
ببناء سد جمع بين قسميها البري والبحري. من هنا، مع مرور الزمن اتخذت المدينة شكلها
الحالي شبه جزيرة.
ملتقى الحضارات
بيبلوس
لا يكون السائح زار لبنان إن لم يمرّ في بيبلوس، المدينة التي تحتضن معلماً
تاريخياً فريداً في العالم، كرسته منظمة الأونسكو تراثاً عالمياً، لما يتجاوز فيه
من آثار مدهشة ومعالم من حضارات تعاقبت على البلاد في مختلف مراحل التاريخ.
تتربع بيبلوس على البحر، وفي حضنها بقايا مدينة أمورية تتناثر حول قلعة تجاوز
معبداً فينيقياً مازالت مسلاته شواهد حية، تتطلع الى مدرج روماني مطرز بنواويس
فينيقية تتقيّا أعمدة دهرية.
تزدهي بيبلوس بأنها مهد الأبجدية الأولى التي اكتشفت على ناووس الملك الفينيقي
احيرام (اليوم في المتحف الوطني).
وتزدهي بيبلوس أيضا بمرفإها الألفي تنتثر في مياهه مراكب سياحية تتهدل بين الأمواج،
يطل عليها برج، من العصر الوسيط، قابع في البحر، وباسط ذراعه بلاطة صخرية أصبحت
فسحة مؤاتية لصيادي السمك.
وفي بيبلوس كذلك مسجد من العصر العربي تناجي مئذنته شرفة التاريخ الاسلامي وترمز
لتلك الحضارة.
وهناك متحف الشمع، وفيه مشاهد مختلفة من التقاليد والعادات اللبنانية.
قصر الأمراء
بيت الدين
على مسافة ضئيلة من دير القمر، يجثم قصر بيت الدين رائع الريازة اللبنانية في القرن
التاسع عشر، مزدهيا بباحات عريضة تنساب منها نوافير جميلة تحيط بها حجارة صلصالية
وقناطر رائعة الهندسة.
استغرق بناؤه (على عهد الأمير بشير الشهابي الثاني) سحابة ثلاثين عاماً، وهو اليوم
معلم سياحي أول في لبنان، يقصده الزوار والسياح متأملين بواباته المرمرية وشرفاته
المخضبة بالخشب والزجاج، مما يجعل القصر ذاهيبة وأناقة. ويشهد القصر كل صيف مهرجانا
سنويا كبيرا يقدم ليالي فنية لبنانية وعالمية.
المهرجانات
يلعب لبنان دوراً ثقافياً ريادياً في الشرق الأوسط، عبر المهرجانات التي يحافظ فيها
على تقاليده العريقة من كل نوع.
يستقطب لبنان مجموعة من نجوم الفن في العالم، يقدمون عروضهم في المعالم السياحية
مثل هياكل بعلبلك، وقلعة بيبلوس، وقصر بيت الدين، وملعب صور الروماني، وخان الافرنج
في صيدا.
وتتنوع هذه المهرجانات بين أمسيات موسيقية وغنائية، او عروض باليه، او حفلات أوبرا،
أو أعمال مختلفة لفرق معاصرة، تحيي حجارة القلاع والقصور، والهياكل القديمة. ويزيد
من سحر المكان نظام إنارة حققتها وزارة السياحة، تزيد من جمال الحجارة التي تردد
أصوات كبار النجوم العالميين كل صيف.
المتحف الوطني
عندما تم تدشينه سنة 1942، اكتشف زواره مجموعة مذهلة ونادرة من المسلات القديمة
والنواويس والروائع التاريخية الأثرية، أبرزها ناووس أحيرام الذي أمكن على حجارته
اكتشاف الأبجدية الفينيقية الأولى. وفي الطابق الأعلى نحو ألف شكل أثري بين عصور ما
قبل التاريخ والعهد المملوكي.
بعد سنوات من الاقفال غارقاً في الصمت خلال سنوات الحرب، أعيد فتح المتحف من جديد
بعد إنجاز أعمال الترميم فيه.
أغرب من الخيال
جعيتا
كونتها قرون من التآكلات المائية والصخرية حتى باتت اليوم مشهداً يصعب بالكلمات وصف
مافيه من تماثيل صخرية ذات أشكال انيقة وجميلة وغريبة يزيد من حضورها نظام إنارة
مدروس بعناية وفن.
اكتشفها عام 1836 رواد مغاور، انكليزيون، فرنسيون وأميركيون، ثم عام 1946 رواد
مغاور لبنانيون. وهي تتميز بعمقها، وتكوينها ذي المغارتين العليا والسفلى، وبما
فيهما من مشاهد كأنها من خارج هذه الطبيعة.
كان اكتشاف المغارتين، حتى عمق 9000م، حدثاً غير عادي، أتاح للزوار تأمل هوابط
وصواعد مذهلة تشكل مشهداً ساحراً سقفه الجبل، وأرضه المياه الصافية.
وبفضل تجهيزات عالية التقنية وفّرتها وزارة السياحة، يمكن أن يزورها السياح والزوار
من جميع الأعمار، ينقلهم بين المغارتين قطار جميل مميز وطريف، وتلفريك يمر فوق
النهر ويؤدي الى المغارة العليا