كلما ذُكِرَ اسم الملك عبدالعزيز طيّب الله ثراه، تعود بي الذاكرة إلى منظر سيف وبندقية متعامدين في مجلس والدي قبل أربعة عقود خلت، وما ذاك السيف وتلك البندقية إلا البقية الباقية من الهبة السامية، التي وهبها له الملك عبدالعزيز عند البيعة في الرياض عام 1342هـ.
في تلك السن المبكرة من عمري لم أكن أعرف الشيء الكثير عن الملك عبدالعزيز، واحتفظت ذاكرتي بذلك المنظر، لأنه رمز تاريخي لمرحلة مهمة من تاريخ دولتنا المجيدة.
ومع توافر المراجع وازدياد حركة نشر كتب سيرة وتاريخ الملك عبدالعزيز، أصبحت قراءة تاريخه بحراً أغترف منه وأخذت أسبح في هذا البحر الذي يتصل بشواطئه إلى مملكتنا الحبيبة، وذهلت خلال قراءتي من قدرة الملك عبدالعزيز على صنع التاريخ والتحكم في مجرى الحياة السياسية، وظهر لي وكأن مناطق مملكتنا صفحات مشرقة تروي ملاحم بطولته في الجزيرة العربية، عندما كان يجتاز الصحاري فارساً يضرب بالسيف، ومصلحاً يحمل المصحف، متوكلاً على الله في توحيد بلاده مقاوماً لمؤامرات الأجانب وانحراف بعض المسلمين.
إن ما قام به الملك عبدالعزيز رزمة تكاد تكون دائرة شبه كاملة محددة بذاتها، واضحة الحدود والمعالم، إنه بنى دولة وأقام نظاماً، ثم قاد الدولة والنظام إلى الإقليم والأمة، ثم دفع الدولة والنظام على طريق العصر.
رحم الله مؤسس دولتنا الحديثة وجزاه عنا خير الجزاء، فقد سلّم هذه المملكة لأهله وشعبه آمنة مستقرة، بعد أن بذر فيها أفضل البذور، وغرس على ترابها أفضل الغرس، وسقاها بعرقه ودمه وكدحه، وذاد عنها بسيفه حتى نضجت ثمارها، وأصبحت دولة يغلب اخضرارها على جفاف الصحراء وقسوتها من تهامة إلى نجد، ومن الحجاز إلى عسير.
لواء متقاعد
|